النويري
12
نهاية الأرب في فنون الأدب
كان عبد الملك بن عمر قاضى الكوفة ، فهجاه هذيل الأشجعىّ بأبيات منها : إذا ذات دلّ كلَّمته بحاجة فهمّ بأن يقضى تنحنح أو سعل فكان عبد الملك يقول : قاتله اللَّه ! واللَّه لربما جاءتني النحنحة وأنا في المتوضّأ فأذكر ما قال فأردّها . وقيل : شهد سلمى الموسوس عند جعفر بن سليمان على رجل ، فقال : هو - أصلحك اللَّه - ناصبىّ ، رافضىّ ، قدرىّ ، مجبرىّ ، يشتم الحجاج بن الزبير الذي يهدم الكعبة على علىّ بن أبي سفيان . فقال له جعفر : ما أدرى على أي شئ أحسدك : على علمك بالمقالات ، أم على معرفتك بالأنساب ! فقال : أصلح اللَّه الأمير ، ما خرجت من الكتّاب ، حتى حذفت هذا كله ورائي . واستفتى بعض القضاة ، وقد نسبت إلى القاضي أبى بكر بن قريعة ، فقيل له : ما يقول سيدنا القاضي أيده اللَّه في رجل باع حجرا « 1 » من رجل ، فحين رفع ذنبها ليقلَّبه خرجت منها ريح مصوّتة اتصلت بحصاة ففقأت عين المشترى ؟ أفتنا في الدية والردّ يرحمك اللَّه . فأجاب : لم تجر العادة بمثل هذه البدائع ، بين مشتر وبائع ؛ فلذلك لم يثبت في كتب الفقهاء ، ولم يستعمل في فتوى العلماء ؛ لكن هذا وما شاكله يجرى مجرى الفضول ، المستخرج من أحكام العقول ، والقول فيه - وباللَّه العصمة من الزلل والخطل - : أن دية ما جنته الحجر ملغى في الهدر ، عملا بقول النبىّ المختار ، صلى اللَّه عليه وعلى آله الأطهار ، « جرح العجماء جبار » ؛ لا سيما والمشترى عند كشفه لعورتها ، استثار كامن سورتها . وعلى البائع لها ارتجاعها ، وردّ ما قبض من ثمنها ، لأنه دلَّس حجرا مضيقا منجنيقها . وإذا كانت السهام طائشة ، فهي من العيوب الفاحشة . وكيف يمتنع ردّها وأغراضها نواظر الحدق ، وقلَّما يستظهر المقلَّبون الخيل بالدّرق .
--> « 1 » الحجر ( بالكسر ) : الأنثى من الخيل .